ابن كثير

158

البداية والنهاية

الحجاج فمه ؟ ! فهل يرجو الحجاج الخير إلا بعد الموت ؟ والله ما يسرني أن لا أموت وأن لي الدنيا وما فيها ، وما رأيت الله رضي التخليد إلا لأهون ( 1 ) خلقه عليه إبليس ، قال الله له ( إنك من المنظرين ) [ الأعراف : 14 ] فأنظره إلى يوم الدين ، ولقد دعا الله العبد الصالح فقال ( هب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي ) [ ص : 35 ] فأعطاه الله ذلك إلا البقاء ( 2 ) ، ولقد طلب العبد الصالح الموت بعد أن تم له أمره ، فقال ( توفني مسلما وألحقني بالصالحين ) [ يوسف : 101 ] فما عسى أن يكون أيها الرجل ، وكلكم ذلك الرجل ، كأني والله بكل حي منكم ميتا ، وبكل رطب يابسا ، ثم نقل في أثياب أكفانه ثلاثة أذرع ( 3 ) طولا في ذراع عرضا ، فأكلت لحمه ، ومصت صديده ، وانصرف الخبيث من ولده يقسم الخبيث من ماله ، إن الذين يعقلون ما أقول ، ثم نزل . وقال إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني عن أبيه عن جده عن عمر بن عبد العزيز أنه قال : ما حسدت الحجاج عدو الله على شئ حسدي إياه على حبه القرآن وإعطائه أهله عليه ، وقوله حين حضرته الوفاة : اللهم اغفر لي فإن الناس يزعمون أنك لا تفعل . وقال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدثنا علي بن الجعد ، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون ، عن محمد بن المنكدر . قال : كان عمر بن عبد العزيز يبغض الحجاج فنفس عليه بكلمة قالها عند الموت : اللهم اغفر لي فإنهم يزعمون أنك لا تفعل . قال : وحدثني بعض أهل العلم قال قيل للحسن : إن الحجاج قال عند الموت كذا وكذا ، قال : قالها ؟ قالوا : نعم ! قال فما عسى . وقال أبو العباس المري عن الرياشي عن الأصمعي قال : لما حضرت الحجاج الوفاة أنشأ يقول : يا رب قد حلف الأعداء واجتهدوا * بأنني رجل من ساكني النار أيحلفون عن عمياء ويحهم * ما علمهم بعظيم العفو غفار قال فأخبر بذلك الحسن فقال : بالله إن نجا لينجون بهما . وزاد بعضهم في ذلك : - إن الموالي إذا شابت عبيدهم * في رقهم عتقوهم عتق أبرار وأنت يا خالقي أولى بذا كرما * قد شبت في الرق فأعتقني من النار وقال ابن أبي الدنيا : ثنا أحمد بن عبد الله التيمي قال : لما مات الحجاج لم يعلم أحد بموته حتى أشرفت جارية فبكت فقالت : ألا إن مطعم الطعام ، وميتم الأيتام ، ومرمل النساء ، ومفلق الهام ، وسيد أهل الشام قد مات ، ثم أنشأت تقول : -

--> ( 1 ) في العقد 3 / 17 : لأبغض خلقه إليه وأهونهم عليه . ( 2 ) في العقد ومروج الذهب : ثم اضمحل فكأن لم يكن . ( 3 ) في مروج الذهب : فخد له في الأرض أذرع طولا في ذراعين عرضا .